تستحضر المؤسسة الدينية الكويتية عبارة “هبة من الله” لتبرير قبول الاستهلاك اليومي البالغ 100 مليون برميل من النفط، وهو استهلاك يُغيّر المناخ. ويتناقض هذا الموقف مع نقاش بيئي متنامٍ بين قادة دينيين حول العالم، ويمثل فرصة ضائعة لتشجيع مراجعة أخلاقية لأنماط الحياة الاستهلاكية. «وفي العمق، تقوم الكويت على اعتمادها على عائدات النفط في ترسيخ البُنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي صاغها الوقود الأحفوري عبر الزمن.»
ديسمبر 2023، بقلم سيباستيان كاستلييه

📷 أيمن أبو أسامة، مؤذن الجامع الكبير في الكويت. تشكّل عائدات النفط ما يقارب إيرادات الحكومة بالكامل في هذه الدولة النفطية في غرب آسيا. © Sebastian Castelier
قبل أكثر من ثمانية عقود، اكتشفت Kuwait Oil Company – Significant Dates, 2025 الكويت النفط بكميات تجارية في حقل برقان جنوب العاصمة. ومنذ ذلك الحين، وبفضل ما تمتلكه من احتياطيات هائلة من هذا المورد الطبيعي الذي غذّى عصر العولمة المتسارعة في العقود التالية، أصبحت الكويت رمزًا لصناعة الوقود الأحفوري الموجهة إلى الأسواق العالمية. ومع تضاعف العائدات النفطية وتنامي الثروات الخاصة، بدأت أنماط العيش التي تكيّفت مع البيئة الصحراوية عبر آلاف السنين تميل إلى الاستهلاك الحضري واسع النطاق، في تحول تبنّاه المجتمع على نطاق واسع.
في الوقت الحالي، يحرق الاقتصاد العالمي ما يعادل 100 International Energy Agency – Oil Market Report, 2022 مليون برميل من النفط يومياً في المتوسط، وغالباً ما يُستحضر اسم الله داخل المؤسسة الدينية الكويتية لتبرير القبول الأخلاقي لهذا الاستهلاك المُغيّر للمناخ. وقال خالد الرشيد، أحد إمامي الجامع الكبير في الكويت: “النفط هبة من الله لنا، وقد اكتشفناه، فمن المنطقي أن نستخدمه”. وأضاف راشد سعد العجمي، أستاذ مشارك في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية: “النفط ثروة طبيعية خلقها الله لنا، كما خلق كل شيء آخر على الأرض، فعلينا أن نستخدمها قبل أن تأتي نهاية العالم، لكن بطريقة آمنة”.

ولم يقتصر رفض العجمي لتقليل استهلاك اللحوم على اعتبارات شخصية، بل استند أيضًا إلى مبررات دينية، فقال: «إننا نحتفل بالعيد، الذي يُقام مرتين في السنة ويتضمن شعيرة الأضحية، لأن القطعان تتكاثر بسرعة. ولو كان أغلب الناس نباتيين، لتكاثرت الماشية بصورة يصعب السيطرة عليها، وربما انتهى بها الأمر إلى القضاء على البشر. فلنفترض أننا أنقذنا جميع الحيوانات، ماذا سيؤول إليه حال العالم؟».وتشير التقديرات إلى أن الأثر البيئي للبروتينات الحيوانية يفوق أثر الأغذية النباتية بعدة أضعاف، بل يصل إلى أكثر من اثني عشر ضعفاً United Nations – Healthy diets for a healthier planet في بعض الحالات، وأن اعتماد نظام غذائي نباتي يمكن أن يقلل الأثر المناخي للاستهلاك الغذائي بمقدار الربع. World Wide Fund for Nature Switzerland – Viande et produits laitiers
“نعيش بفضل النفط”
يمثل موقف رجال الدين في الكويت فرصة ضائعة. فالدور الاجتماعي البارز الذي تؤديه المؤسسة الدينية في دول الجزيرة العربية ذات الأغلبية المسلمة كان يمكن أن يجعل من الأئمة وعلماء الدين أصواتاً مؤثرة قادرة على تشجيع مراجعة أخلاقية جماعية لأنماط الحياة الاستهلاكية والاستخدام المفرط للموارد. ومن اللافت أن هذه المنطقة القاحلة تستهلك المياه العذبة بمعدل يتجاوز بكثير قدرتها البيئية على التحمل.
وتثير محدودية مشاركة القيادات الدينية في هذا النقاش الانتباه، خاصة أن الكويت تمنح مساحة أوسع United States Department of State – Report on International Religious Freedom, 2023 للخطاب الديني مقارنة بجيرانها، إذ تسمح للأئمة بإعداد خطبهم بأنفسهم.و من ناحية اخرى ولم ترد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على طلب لإجراء مقابلة. أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فتخضع خطبة الجمعة لرقابة وتنظيم صارمينGulf News – Imams told to stick to standard Friday sermon, 2019 من قبل السلطات الدينية، في حين أطلق ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان آل سعود، حملةً في أواخر العقد الثاني من الألفية الثالثة لترسيخ سيطرة الدولة على المؤسسة الدينية.

وتبدو الكويت في عزلة متزايدة في ظل نقاش بيئي متنامٍ. فهناك مبادرة Ummah for Earth – Green Mosques Initiative تزود المساجد بأنظمة طاقة شمسية في عدة بلدان، ووقّع 28 Emirates News Agency – COP28 Presidency receives ‘Abu Dhabi Interfaith Statement for COP28’ at Global Faith Leaders’ Summit, 2023 من القادة الدينيين بياناً مشتركاً بين الأديان حول تغير المناخ قبل استضافة قمة كوب 28 في الإمارات العربية المتحدة. في غضون ذلك، برز رأس الكنيسة الكاثوليكية كأحد أبرز الأصوات الدينية الجريئة في هذا الملف. وكتب البابا فرنسيس في وثيقة “إرشاد رسولي” نُشرت في أكتوبر 2023: The Holy See – Laudate Deum of the holy father Francis, 2023 “لا يمكن إخفاء العلاقة بين هذه الظواهر المناخية العالمية والزيادة المتسارعة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لا سيما منذ منتصف القرن العشرين”. وأضاف: “الانتقال الضروري نحو مصادر الطاقة النظيفة، كطاقة الريح والطاقة الشمسية، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، لا يسير بالسرعة المطلوبة”.
وقد أدى غياب بدائل اقتصادية لصادرات النفط – التي تشكل حجر الزاوية في البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحالية للكويت – إلى تكريس تساهل رجال الدين مع نشاط يساهم في الانهيار البيئي. وشكّلت عائدات النفط 93% Arab News – Kuwait records budget surplus for first time in 9 years, 2023 من إيرادات الحكومة في السنة المالية 2022-2023. وقال حمد المطر، النائب المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين ورئيس اللجنة البيئية في مجلس الأمة الكويتي: “نحن نعيش بفضل النفط، فهو مصدر إيراداتنا الوحيد”. ومع أنه لا يذهب إلى حد انتقاد صناعة الوقود الأحفوري نفسها، فإنه يندد بدور الإنسان في تعطيل النظم البيئية لكوكب الأرض. وقال: “كل ما في هذا العالم هو بأمر الله وبمشيئته، لكننا دمّرنا المناخ… تغير المناخ سببه النشاط البشري، نقطة على السطر”.
التلوث: “الريح تأخذه إلى مكان بعيد”
على مسافة نحو 850 كيلومتراً من مدينة الكويت، تجمّع آلاف Amnesty International – Record number of fossil fuel lobbyists at COP undermines critical climate talks, 2023 المتشددين في الدفاع عن الوقود الأحفوري والمندوبين الضاغطين في قمة كوب 28 بدبي في ديسمبر 2023، للتأثير في المفاوضات التي تناولت الجدل حول ما إذا كان ينبغي “خفض” الوقود الأحفوري تدريجياً أو “التخلي” عنه كلياً. أما بالنسبة للعجمي، فإن مفاوضات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ لا تعنيه إلى حد كبير. وأكد عالم الدين الإسلامي: “لماذا يُولّد احتراق النفط ثاني أكسيد الكربون؟ يقول القرآن إنه لا ينبغي لنا أن نسأل عما يفعله الله، لأنه يعلم ما يفعل. هذه هي الحقيقة؛ الأمر متروك لله ليقرر، لا للبشر”.
في مجتمع يرسّخ دعمه لصناعة الوقود الأحفوري، بما في ذلك بين بعض القيادات الدينية، تظل الأصوات البيئية على الهامش. وتقول خبيرة الاستدامة سامية الدعيج مشيرةً إلى محدودية الاهتمام بالطاقة المتجددة: «لم نصل بعد إلى عدد كافٍ من الناس المهتمين . أشعر أحيانًا أنني على وشك الجنون، إنه أمر محبط»،. وقد لجأ البعض إلى التعليم كوسيلة لغرس الوعي البيئي لدى الأجيال الشابة. وتقول ريم العوضي، الأستاذة المساعدة في قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة الكويت: «بعض الطلاب يعودون إلى منازلهم ويتحدثون مع عائلاتهم وأصدقائهم، وأعتقد أن ذلك يفتح على الأقل مساحة للنقاش».

ومع ذلك، فإن مجموعات من تلاميذ المدارس الذين يزورون المعرض الدائم الذي تنظمه شركة نفط الكويت (KOC) لاستعراض تاريخ القطاع النفطي، يهتفون بأن تستمر صادرات النفط “إلى الأبد”، وفقاً لروان الجابر، إحدى مرشدات المعرض. وفي ظل تعثّر العمل البيئي في الكويت، تستمر درجات الحرارة في المنطقة بالارتفاع، ويعود ذلك جزئياً إلى احتراق الوقود الأحفوري الذي تصدّره دول غرب آسيا النفطية إلى أسواق المستهلكين. وتتوقع الهيئة التابعة للأمم المتحدة المعنية بتقييم علوم تغير المناخ أن ترتفع درجات الحرارة في شبه الجزيرة العربية، حيث تتجاوز حرارة الصيف عادة 50 World Meteorological Organisation – WMO verifies 3rd and 4th hottest temperature recorded on Earth, 2019 درجة مئوية، بمقدار 2.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل العصر الصناعي (1850-1900) بحلول عام 2100، وبمقدار 6.3 Intergovernmental Panel on Climate Change – WGI Interactive Atlas
وقال شاهين بوناشي، طالب في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية: “الله لا يخلق شيئاً عبثاً، فكل شيء له سبب. الله يعرف الصورة الكاملة، فلعله قدّر ارتفاع درجات الحرارة لأسباب لا نعرفها حتى الآن”. وفي حين تجنّب أيمن أبو أسامة، مؤذن الجامع الكبير في الكويت، الخوض في مسألة استهلاك النفط، حذّر بالقول: “الله خلق كل شيء بكميات ونسب محددة. والإخلال بهذا التوازن سيسبب ضرراً أكبر من أي شيء يمكن أن نتخيله”.
ومن المرجح أن يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تكثيف الطلب على التبريد الصناعي، وعلى استهلاك الوقود الأحفوري المستخدم في توليد International Energy Agency – Energy Statistics Kuwait, 2025 الكهرباء التي تشغّل مكيفات الهواء في الكويت. “أنا أقول للمؤمنين أن يحافظوا على البيئة وألا يلوّثوها، لكن ما يُنفث في الجو خارج عن الإرادة الشخصية. نحن ندعو الله أن تطهّر الشمس كل ذلك.” وبينما كان يحتسي القهوة العربية في غرفة مكيفة، قال عبد الرحمن محمود، إمام سعودي في زيارة للكويت: “الله خلق كل شيء، السماء والأشجار والأرض والحجارة، لخدمتنا نحن البشر. أما التلوث، فالريح تأخذه إلى مكان بعيد. الله مسيطر على ما خلق، وهو يعلم، وسيحمينا دائماً”.